صَه يا ضَجيج

Posted: فبراير 16, 2011 in Uncategorized
صَه يا ضجيج ْ
(1)
تكوِّر الدنيا برمتها في لفظتين هما الأشد بخسا للدنيا أو دعونا نقول لحيادية الدنيا ، فهي الفتاة التي لا تبقي و لا تذر و هي التي ترمي بشرر كالقصر ، تحمل عـبوة ناسفة من اللاءات و أمزجة متأرجحة على الدوام لكأنها في نظامِ معزول ، تقتفي أثر تراجيديةٍ لا تنفك تلاحقها حتى في أبسط لحيظات حـياتِها فهي التي تختزل الموضوع التعبيري الذي كُلفت به لتستهله و تذيله بعبارة موغلة في الخواء …
“نعش أخرق …الحياة لا تتعدى كونها نعشا أخرقاً “
(2)
من يشذب ضجيج هذه البقعة التي تمعن في الاكفهرار حين يحل الليل ببهيمه ، من يمسح حـبيبات العرق المتصفدة على ناصية جبيني ، من يزيح جـبال الهموم التي ما تفتأ تبارحني لحظة واحدة ، فأنا التي كلما خرجت برفقة أمي استقبلنا نقيق الغربان اللامنقطع فتعزي الـأمر لفأل شر يتربص بي ، كما أن أمي هي ذاتها التي تسوقني عنوة كما تسوق بهائمها في ظهيرة الأيام القائضة و  هي تلهج بالدعاء ذاته كل حين “عسى أن تصطفيك إحدى النساء كما تصطفى النعجة زوجة لابنها ” و هي  غير آبهة بي ولا  بنظرات السخرية التي تنهال من علِ من قبل النسوة التي لا أكن لهن سوى الكره فأنا على يقين لا يشوبه أي شك بأني علكة لا يستسغنها لكنهن يلكنها كلما  مر طيفي أمامهن .
من المحال أن أنسى موسم الحصاد ذاك الذي  وشم في ذاتي نقيصة كانت الواحدة منهن لا تتوانى لتعايرني بها فلثغة الراء و التأتأة اللتان تظهران جليا في أحاديثي المقتضبة معهن جعلت الواحدة منهن تركز بؤرة التركيز على هذه الأخطاء لتتصيدها فلا أجد إلا جوابا واحدا ألقيه على انكسار :
كذا خُلقت و من ذا الذي يغالب ربه .
كنت و لا زلت أنا هي تلك الفتاة الموشومة بالنقص تلك الفتاة التي تتحمل جريرة أفكار تنضح سماجةً ، أفكار نفخت فيها الروح قبل أوانها فأخذت تشق طريقها في النمو و هي ناقصة \معتوهة .
حفنات من فرح بودي لو أنثرها يوما ما ، لو أن لا تلقى على مسامعي تلك العبارات التي تعود لعصور خلت ، فكيف للأضداد أن تجتمع فأنا فرح التي لم تحمل يوما ما نبوءة خير و لا حتى انتشت بالنزر اليسير من خمرة الحياة
(3)
في نهار أبت فيها حارتنا أن تستكين فيه ، انتشر خبر عودة “مريم ” من الولايات المتحدة الأمريكية كانتشار النار في الهشيم بعد تخرجها من جامعة هارفرد . غصَّت حارتنا حينها بالأهازيج التي تتعالى لتعانق لهفة أم مريم ، و اجتمعت نساء الحي اللواتي نذرن أنفسهن للطبخ كل في مطبخها لتعد طبقا للمأدبة التي ستقام مساء اليوم . فمريم تعتلي عرش قلوب سكان حارتنا و مريم هي أول من وطأت قدماها خارج جغرافية الوطن . مذ طفولتها و الكل يشهد على عبقريتها و ذكاءها بدءاً من معلمة تدريس القرآن في الحي و انتهاءً بمعلمات الثانوية في المدرسة الأمر الذي أهلها للحصول على بعثة دراسية لجامعة هارفرد . حين تناهى لسمعي خبر عودة مريم اجتاحني شعور بأنه ثمة قبيلة من الهنود الحمر تقيم في قلبي  و لا تكف عن طرق الطبول شعرت حينها بأن قلبي يكاد يفر من ضلوعه ، فعلى الرغم من الأعوام التي تفصل بيننا ، و على الرغم من المجرات المتباينة التي نحلق حولها إلا أن قلب مريم عرف كيف يشق طريقه إلى روحي أنا الانطوائية ، العنيدة ، صعبة المراس …
حين دلفت بيت مريم وجدتها مشرئبة العنق و تلتفت يمنة و يسرة لكأنها تبحث عن شيء مفقود ، لوَّحت لها فانتصبت واقفة و ضحكت حتى بانت نواجذها ، حداني السلام و البرد على غفلة من الجميع خاطبت مريم مازحة :
_ وعد الحر دين عليه ، متى ستفي بوعدك الذي قطعتِه قبل زهاء عامين .
أجابت مسرعة و كأنها قد أعدَّت الإجابة حتى قبل أن أطرح عليها السؤال: – أسبوعان على التمام .
لا أحد يعرف مقدارالنشوة الذي بثت في قلبي وقتذاكـ ، ما من أحد يدرك مقدار الفرح الذي كان يتلوه قلبي ، و لم يمضِ حين من الدهر حتى  اختفت كل الهواجس الكالحة التي كانت تسكنني .
تعيدني لأرض الواقع لكزة خفيفة من مريم ، فأجد أن نسوة الحي قد اجتمعن و  طوَّقن مريم بجلستهن النصف دائرية و نظراتهن تستجديها لمباشرة الحديث عن الغربة ، تنحنحت مريم و استهلت حديثها :
لا أخفيكن أبدا أن الغربة في بدايتها كانت أِشبه ما تكون بِرياح هوجاء تهب على الأخضر و اليابس لتذره قاعا صفصفا ، كانت تعتريني أحاسيس صلفة بأن أحدهم كان يطعن قلبي بأسياخ متقدة ، لأصطلي بنيران الشجن و الشقاء …
ثم تستبدل نبرتها الحزينة بنبرةٍ أخرى و تستأنف حديثها :
لكني اليوم و بعد مضي سنوات الغربة أكاد أجزم بأن الغربة عالم منفصل في حد ذاته عالم متخم بالدروس و  بالعبر فالغربة تشعرك بأنك تقف على أرض صلبة و أن أي قوة خارجية لن تقوى على ضعضعةِ ثقتكَ بنفسك و تضمن لحديثها أبيات الشافعي :
تَغَرَّبْ عَنِ الأَوْطَانِ فِيْ طَلَبِ العُلَى =وسافِرْ ففي الأَسْفَارِ خَمْسُ فَوَائِـدِ  

تَفَرُّجُ هَـمٍّ، واكتِسَـابُ مَعِيْشَـةٍ =وَعِلْمٌ ، وآدابٌ، وصُحْبَـةُ مَاجِـدِ

(4)
تغلغلت إلى أقصى ركن منزوِ في ذاكرتي و أنا أحكي لمريم بانكسارٍ عُجن بالخنوع للواقع المر :
ما عدت أقوى يا مريم يقذفون ألغامهم و أنا أجابههم بالصبر و الصبر أظنني صبرت بما فيه الكفاية و صبرت حتى  حسب الصبر أني سأصبر على شيء أمر من الصبر ، ما من شي أشد وطأة على الذات من أن تشعر بأن ذاتك مسلوبة . فامتهانهم لذاتي غدا ديدنهم الذي لا يمكن أن ينقضي يوم دون أن يبثوا بسمومهم في ذاتي . هذا كله غير الأنباز التي تلقى عليَّ حين أستفيق من نومي وجلةَ خائفة ، لا أعرف حقيقة ما الذي يجدر بي فعله إزاء هذه الهواجس التي تنتابني و لا يعدونها سوى خزعبلات اختلقها لألفت أنظارهم .
ثم إنني لأستهجن تصرفاتهم حين يجدونني منكبة على كتب التفاسير التي تصب في إطار واحد لتفسير كل أحلامي بأنها من أمارات دنو الأجل ، و إني لأستنكف نظراتهم التي تلاحقني كلما انكفأت على ذاتي في صومعة انعزل فيها عنهم و عن أفكارهم !
(5)
أحزم حقائبي و أحزم معها الكثير من وصايا أمي أقف على عتبة باب منزلنا العتيق أقبل خطوة و أدبر خطوتين ، أخاطب نفسي بلهجة صارمة كمحاولة لاستجمع قواي : لا مجال للتراجع يا فرح فقد بتَّ الأمر ، تتلقفني أياديهم محتضنة إياي و تسح عيناي الكثير من الدموع الحارة فلا أجد منأى من الموقف هذا سوى المشي بسرعة نحو سيارة الأجرة التي تنتظرني أنا و مريم ، تخنقني رائحة الحي المتسربة إلى أنفي أتمنى لو أجهش بالبكاء كطفل استلت منه قطعة حلوى ، التفت إلى الحي ألوح له بيدين مرتعدتين تندفع إلى ذاكرتي كلمات تلك الأغنية بصوت المغني الرخيم :
لا تلوح للمسافر المسافر راااااااح
تتناسل في ذاكرتي الكثير من التساؤلات من ذا الذي يمثل المسافر أنا أم ذاك الحي النصف منسي ؟
مريم تحاول تسليتي بمحاولة ختم عل ناصيتها بفشل ذريع : هوِّني على نفسكِ ستعودين مختلفة ، قطعا ستعودين مختلفة .
بجسد متثاقل أنهكته ساعات السفر الطويلة نمضي أنا و مريم مارِّين على محطة القطارات و الحافلات في ميدان فيرلي و صوت صفير القطار يكاد يصم أذني معلنا عن قرب انطلاقه . تشير مريم إلى مشفى ماركلين الرابض بمسحة من خشوع على إحدى التلال المنتشرة هناك . ندلف المشفى تتناوب عليَّ حالة من الوعي و اللاوعي نُستقبل بحفاوة منقطعة النظير . نقطع ردهات غائرة في الهدوء أحاول تجاهل بياض الردهات التي تستثيرني ، مريم تقترح الذهاب إلى كافتيريا ماركلين إلا أني أجيبها و جفناي على وشك الانطباق و الوسن أخذ مني كل مأخذ :
_ لا طاقة لي بأي شيء سوى النوم .
أشعر بأن أحدهم يطوِّح بي من على جرف هار و أن الكثير من الملامح منها المألوفة بالنسبة لي تحدجني بنظرات ملؤها الاستغراب ، أحاول أن أستنجد إلا أنهم لا يلقون بالا لما أقول و كأن على آذانهم وقرا . بعدها أتصبب عرقا بغزارة ، أهذي بكلمات لا صلة بينها ، يتناهى إلى سمعي صوت قوم يرطنون بلغة لا أكاد أفهمها ، و أشعر أن يدا حانية تحكم القبض على يدي و هي تتلو قصار السور .
(6)
في اليوم التالي شعرت بتحسن كبير كان المشفى  يعبق برائحة الزهور على خلاف المستوصف الصحي في قريتنا الذي كانت أجواؤه مشبعة برائحة الأمصال و المعقمات . تكسر مريم حاجز الهدوء مخاطبة إياي :
_صباحك عطايا من الرب .
تنفرج شفتي عن ابتسامة و أجيبها : _صباح النور
تخبرني مريم بأني على موعد مع أحد الأطباء النفسيين ، شعرت بمغص حاد في معدتي و بانقباض في نفسي ، حاولت أن أجد طريقة أتملص فيها على الكثير من الأسئلة الدبقة قبل أن تلقى إلي ، لكني حين دخلت المكتب وجدت فتاة تقتعد إحدى الكراسي في المكتب ، قد تكون الغربة كفيلة بأن تخلق ودا بين من تتآلف لغاتهم و دياناتهم هذا ما أحسست به حين أخذت و الفتاة نسهب في الحديث ، تحكي لي عن قصة مأساتها مع الاحتلال الصهيوني و تقول:
كنت يومها ابنة إحدى  عشر ربيعا ، و من المحال أن أنسى طول استجدائي لأبي صبيحة ذاك اليوم  بأن يحاول أن يستأذن ليخرج مبكرا من عمله ليحضر إلى حفل تكريم المتفوقات في مدرستي و علاوة على ذلك كنت سألقي قصيدة للشاعر الراحل محمود درويش معنونة بـ ” الكلمات العابرة ” في ظهيرة ذاك اليوم اجتمع شمل عائلتنا الصغيرة ، كنت على وشك أن ألقي على مسامعهم القصيدة حين اجتاح المنطقة صوت جلبة غير معهودة و مع فورة حماستي لم ألق بالا للموضوع ، بيد أن أبي الذي وقف بجانب النافذة ليتفقد الأحوال عاد بانكسار لم أعهده و قال لنا و وجهه يزداد امتقاعا كل حين :
-         إن الأجواء بالخارج لا تبشر بخير .
لكنه و للحظ العاثر لم يكد يكمل جملته تلك حتى سمعت صوت ارتطام مدوي نسف كل شي من حولي لم أستفق من الغيبوبة إلا بعد أسبوع يوم تقبلت الرزايا تترى. حاولت أن أتحسس ساقي إلا أني وجدت أنها بترت تملكني إحساس غريب ،فأن يسبقك جزء من جسدك إلى القبر ليس بالأمر الهين على الإطلاق وكما أني أخبرت أني فقدت أمي وأبي …
أشاحت بوجهها ، عيناها اغرورقتا بالدموع أكثر فأكثر وجنتها أخذت تصطبغ بالحمرة ، ازدردت  ريقها ، استأنفت حديثها وبحة تطغى على صوتها – اللهم لا اعتراض – تبنتني عائلة لبنانية تقيم في الجوار ولهذا أنا اليوم هنا .
كدت أقع من طولي فما الذي أعانيه أنا إزاء كل ما لاقته هي.
(7)
بعد انقضاء عام من العيش في المستشفيات النفسية وبعد التحاقي بالكثير من الدورات المتخصصة في هذا الجانب. عدت ومريم الصديقة التي أكن لها كل حب مريم التي أنا مدينة وممتنة بالكثير من الفضائل التي أغدقتها لي . عدت فَرَح مختلفة . فرح تعرف كيف تتعامل مع كل من ينتقص قدرها ، أصبحت ناشطة اجتماعية .
وأنها إحدى نعم الرب وأنها إحدى غوايات القدر .
صه يا ضجيج الأدمغة\الأمكنة الفارغة .
خديجة السالمي
13\1\2011
تعليقات
  1. خديجة يارفيقة الجنة :
    سماؤك تنضح بالبشرى دوما ،حبلى برؤى واضحة مرتقية تلامس عنان السماء ،مساحتك الحمراء مدهشة وبحق ،لك حرف قد من قوى كامنة في بواطن قلبك الطاهر تزهر في هذه المساحات ، تستقطب الأنظار وبحق تأسرها رهائن لديها في مساحات الحرية هذه الرائحة هنا بعيدة كل البعد عن أتون السجن المتفحمة ، حز القيد هنا لا يعبق سوى بجمال المعاني وأصالتها .
    أراك أصــــــيلة الحرف دوما ….. هع
    حرس الله خطاك

  2. غَديرْ ، يقول :

    لغتك شيّقة وحديثك عذذب ()
    اشتقت لقراءتك وها أنتِ تعودين بما يكفر هذا الغياب =”"”"
    رائعة يا خديجة رائعة ..
    زيدي العطَاء واصقلي النور في يديك ليزدان أكثر ()
    أحبكِ حين تكتبين يا صديقة
    <3

  3. maryam يقول :

    الجميلة : خديجة

    هنا لا يكفيني التعليق على الماشي ، يلزمنا حديث مطول غاليتي عن هذا النص الذي صمتُ أمامه .

    أنتظرك :)

  4. مرايم يقول :

    لا تعليق
    قد سمعتي تعليقي من قبل
    وأزيدك: القصة برمتها جميلة والاجمل وجود اسمي فيها
    انت رائعة
    كل شئ فيكي يوحي بالابداع
    فلتضلي دوما اديبتنا
    مع خالص حبي لكي وتقديري

    مرايم

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s